أحمد بن أعثم الكوفي
348
الفتوح
ذل بعد صعوبته ، قال : فكتب إليه عثمان : إني لست بفاعل ذلك ولا آذن لك في ركوب البحر وقد نهاك عنه عمر بن الخطاب ( 1 ) ، فإن أبيت ذلك ولم يكن لك بد من ركوب البحر فاحمل معك أهلك وولدك حتى أعلم أن البحر هين كما تقول ( 2 ) . قال : فلما ورد كتاب عثمان على معاوية وقرأه نشط لركوب البحر إلى قبرص ، ثم كتب إلى أهل السواحل فأمرهم بإصلاح المراكب وتقريبها إلى ساحل حصن عكا ليكون ركوب المسلمين من عكا إلى قبرص . قال فأصلحت المراكب وجمعت ، ووضع معاوية الارزاق للناس فأعطاهم وأمرهم بالمسير إلى عكا ، قال : وعقدت الرايات والألوية ففرقت في المراكب ، ونادى معاوية في الناس أن لا يتخلف أحد عنه ممن أخذ أرزاقه . قال : فخرج الناس من دمشق حتى صاروا إلى عكا ، وخرج معاوية من دمشق ومعه أهله ( 3 ) وولده حتى نزل بعكا ، وركب معاوية في مركب منها مع أهله وولده ، ثم دفعت من عكا يوم الجمعة قبل الصلاة والمراكب في عشرين ومائتي مركب وقد رفع الناس أصواتهم وضجوا بالتهليل والتكبير . قال : فبينا القوم يسيرون في البحر إذ هب الريح وهاج البحر فاضطرب بأمواجه وفرق المراكب يمنة ويسرة ، قال : وفزعت امرأة معاوية فزعا شديدا ثم صاحت بالنوتي - وهو الملاح الذي يدبر أمر المركب وكان من القبط واسمه طليا - وقالت : ويحك يا طليا ! احبس المركب ، قال : فضحك طليا ثم قال : أيتها المرأة ! ليس ههنا أحد له سلطان على هذا البحر دون الملك الجليل ، وليس إلى حبس المراكب من سبيل ، قال : فاغتم معاوية بمن قد حمل معه من نسائه وأولاده ، فلم يزالوا كذلك ساعة ثم إن الريح هدأت وسكنت ، فسار المسلمون في مراكبهم . قال : وإذا مراكب الروم سائرة في البحر وفيها هدايا قد بعث بها ملك قبرص إلى قسطنطين بن هرقل ملك الروم ، قال : فأحدق المسلمون بتلك المراكب
--> ( 1 ) وكان معاوية قد استأذن عمر بغزو قبرس فرفض . وقد مر ذلك . ( 2 ) في ابن الأثير 2 / 240 قال له عثمان : ( لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم ، خيرهم فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه ) . ( 3 ) حمل معه امرأته فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف بن قصي .